الشيخ محمد رشيد رضا

161

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قلنا إن اللّه تعالى فرض علينا صيام هذا الشهر بخصوصه تذكيرا بنعمته علينا بانزال القرآن فيه لنصومه شكرا له عليها ، ومن الشكر أن تكون هدايتنا بالقرآن في مثل وقت نزوله أكمل ، ومنها أن يكون الصيام موصلا إلى حقيقة التقوى ، فإذا لم ننتفع بالصيام في أخلاقنا وأعمالنا ، ولم نهتد بالقرآن في عامة أحوالنا ، فأين الانتفاع بالنعمة وأين الشكر عليها ؟ كان جبريل يدارس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن في رمضان ، ولذلك كان السلف يتدارسونه فيه ويقومون ليله به لزيادة الاهتداء والاعتبار ، فماذا كان من اقتداء الخلف بهم ؟ كان أن بعض الوجهاء والأغنياء يستحضرون في رمضان من القراء من كان حسن الصوت يتغنى لهم بالقرآن في حجرات الخدم وهم في الغرفات مع أمثالهم وأقتالهم لا هون لا عبون ، ومن عساه يصغى منهم أحيانا إلى القارئ فإنما يريد التلذذ بسماع صوته الحسن وتوقيعه الغنائي ، فقد جعلوا القرآن إما مهجورا وإما لذة نفسية فصدق عليهم قوله ( اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً ) وأما معنى إنزال القرآن في رمضان مع أن المعروف باليقين أن القرآن نزل منجما متفرقا في مدة البعثة كلها فهو أن ابتداء نزوله كان في رمضان وذلك في ليلة منه سميت ليلة القدر أي الشرف ، والليلة المباركة كما في آيات أخرى ، وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه ، على أن لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كله ، ويطلق على بعضه . وقد ظن الذين تصدوا للتفسير منذ عصر الرواية أن الآية مشكلة ، ورووا في حل الاشكال أن القرآن نزل في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا وكان في اللوح المحفوظ فوق سبع سماوات ثم نزل على النبي منجما بالتدريج ، وظاهر قولهم هذا انه لم ينزل على النبي في رمضان منه شيء خلافا لظاهر الآيات ، ولا تظهر المنة علينا ولا الحكمة في جعل رمضان شهر الصوم على قولهم هذا لأن وجود القرآن في سماء الدنيا كوجوده في غيرها من السماوات أو اللوح المحفوظ من حيث إنه لم يكن هداية لنا ، ولا تظهر لنا فائدة في هذا الانزال ولا في الاخبار به ، وقد زادوا على هذا روايات في كون جميع الكتب السماوية أنزلت في رمضان ، كما قالوا إن الأمم السابقة كلفت صيام رمضان ، قال الأستاذ الامام : ولم يصح من هذه الأقوال « تفسير المنار » « 21 » « الجزء الثاني »